الشيخ محمد رشيد رضا

339

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المتعلقة بمصالحكم ومنافعكم ، وذلك بأن يوجه عقولكم إلى ما في الأشياء من المضار والمنافع لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فيظهر لكم الضار منها أو الراجح ضرره فتعلموا انه جدير بالترك فتتركوه على بصيرة واقتناع بأنكم فعلتم ما فيه المصلحة ، كما يظهر لكم النافع فتطلبوه ، فمن رحمته بكم لم يرد أن يعنتكم ويكلفكم ما لا تعقلون له فائدة إرغاما لارادتكم وعقلكم ، بل أراد بكم اليسر فعلمكم حكم الاحكام وأسرارهم ، وهداكم إلى استعمال عقولكم فيها ، لترتقوا بهدايته عقولا وأرواحا ، لا لتنفعوه اسبحانه أو تدفعوا عنه الضر ، فإنه غني عنكم بنفسه ، حميد بذاته ، عزيز بقدرته . * * * ثم بين جل شأنه ان هذا البيان المعد للتفكر ليس خاصا بمصالح الدنيا وحدها ، ولا يطلب الآخرة على انفرادها ، وانما هو متعلق بهما جميعا فقال فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي تتفكرون في أمورهما معا ، فتجتمع لكم مصالح الجسد والروح فتكونون أمة وسطا ، وأناسي كاملين ، لا كالذين حسبوا أن الآخرة لا تنال الا بترك الدنيا واهمال منافعها ومصالحها بالمرة فخسروها وخسروا الآخرة معها ، لأن الدنيا مزرعة الآخرة ، ولا كالذين انصرفوا إلى اللذات الجسدية كالبهائم فقسدت أخلاقهم واظلمت أرواحهم ، وكانوا بلاء على الناس وعلى أنفسهم ، فخسروا الآخرة والدنيا معها . وهذا الارشاد إلى التفكر في مصالح الدنيا والآخرة جميعا - هو في معنى ما جاء في الدعاء بقوله تعالى ( 201 رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ) وتقدم تفسيرها ، فاللّه تعالى يبين في مثل هذه الآيات أن الاسلام هاد ومرشد إلى توسيع دائرة الفكر واستعمال العقل في مصالح الدارين ، وقدم الدنيا في الذكر ، لأنها مقدمة في الوجود بالفعل ، وكل ما أمرنا اللّه تعالى به وهدانا اليه فهو من ديننا ، ولذلك قال علماؤنا إن جميع الفنون والصناعات التي يحتاج إليها الناس في معايشهم من الفروض الدينية إذا أهملت الأمة شيئا منها فلم يقم به من أفرادها من يكفيها أمر الحاجة اليه ، كانت كلها عاصية للّه تعالى مخالفة لدينه ، الا من كان عاجزا عن دفع ضرر الحاجة وعن الامر به للقادر عليه ، فأولئك هم المعذورون بالتقصير على هذا قام صرح مجد الاسلام عدة قرون ، كان المسلمون كلما عرض لهم